مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

122

موسوعه أصول الفقه المقارن

ومن معالم هذه المرحلة تضافر الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام في ذم الاجتهاد بالرأي « 1 » ، ودخول معارضة الاجتهاد مرحلة التصنيف من قبل رواة الأئمّة ، أمثال عبداللَّه بن عبد الرحمن الزبيري ، حيث صنّف كتاب « الاستفادة في الطعون على الأوائل ، والردّ على أصحاب الاجتهاد والقياس » « 2 » ، وهلال بن إبراهيم بن أبي الفتح المدني الذي ألّف كتاباً أسماه « الردّ على من ردّ آثار الرسول واعتمد نتائج العقول » « 3 » ، وإسماعيل بن علي بن إسحاق ابن أبي سهل النوبختي حيث كتب كتاباً في عصر الغيبة الصغرى ، أو قريب منه في الردّ على عيسى بن أبان في الاجتهاد « 4 » . وفي أواسط القرن الرابع واصل الصدوق تلك الحملة ضد الاجتهاد ، إذ كتب في ذيل قصة موسى والخضر عليهما السلام : « إنّ موسى مع كمال عقله وفضله ومحله من اللَّه تعالى ذكره ، لم يدرك باستنباطه واستدلاله معنى أفعال الخضر عليه السلام ، حتّى اشتبه عليه وجه الأمر فيه . . . فإذا لم يجز لأنبياء اللَّه ورسله صلوات اللَّه عليهم القياس والاستنباط والاستخراج ، كان من دونهم من الأمم أولى بأن لا يجوز لهم ذلك » « 5 » ، وفي أواخر القرن الرابع كتب المفيد كتاباً في إبطال اجتهاد الرأي باسم : « النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي » « 6 » ، كما ذهب السيد المرتضى في أواخر القرن الخامس إلى بطلان الاجتهاد ونسبه إلى الإماميّة « 7 » ، وذهب إلى مثله الشيخ الطوسي المتوفّى أواسط القرن الخامس حيث كتب يقول : « أمّا القياس والاجتهاد فعندنا إنهما ليسا بدليلين ، بل محظور استعمالهما » « 8 » . ونصّ قطب الدين الراوندي ( ت 573 ) على أنّ الاجتهاد غير جائز في الشرع « 9 » . وكتب ابن إدريس في أواخر القرن السادس - بعد استعراضه لمجموعة من المرجّحات - : « ولا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا ، والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا » « 10 » . وبقي الاجتهاد يحمل هذا المعنى المذموم إلى أوائل القرن السابع . المرحلة الثانية : تحوّل الاجتهاد في هذه المرحلة من المعنى المرفوض ، وهو كونه مصدراً مستقلًا للفقيه لتحديد الحكم الشرعي في عرض الكتاب والسنّة ، وأصبح يمثّل نفس عملية استنباط الحكم الشرعي من الأدلة الشرعية ، وذلك على يد المحقّق الحلّي في أوائل القرن السابع ، إذ حكم في سياق بيان معنى الاجتهاد بأنّ الإماميّة من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام الشرعية بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس ، ولكن لأخذه بذل الجهد في تعريف الاجتهاد ، قصر صدقه على ما يبذله الفقيه من جهد خارج دائرة ظاهر النصوص ؛ لعدم استدعاء تحصيل الحكم من الظواهر بذل الجهد « 11 » . المرحلة الثالثة : دخول الاجتهاد مرحلة استنباط

--> ( 1 ) . وسائل الشيعة 27 : 35 - 62 ، كتاب القضاء أبواب صفات القاضي ، باب ( 6 ) عدم جواز القضاء والحكم بالرأي والاجتهاد والمقاييس ، أحاديث الباب . ( 2 ) . رجال النجاشي : 220 ، الرقم 575 . ( 3 ) . المصدر السابق : 440 ، الرقم 1185 . ( 4 ) . المصدر نفسه : 31 - 32 ، الرقم 68 . ( 5 ) . علل الشرائع : 62 ، الباب 54 . ( 6 ) . رجال النجاشي : 402 ، الرقم 1067 . ( 7 ) . الذريعة 2 : 636 ، 646 ، 794 - 795 ، الانتصار : 113 ، 488 . ( 8 ) . العدّة في أصول الفقه 1 : 10 . ( 9 ) . فقه القرآن : 6 . ( 10 ) . السرائر 2 : 170 . ( 11 ) . معارج الأصول : 179 ، 181 .